سيد محمد طنطاوي

251

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

سميت به الحالة التي لا ريث فيها . فقيل : خرج من فوره كما تقول : خرج من ساعته . والمعنى : أنهم يأتونكم من ساعتهم هذه » « 1 » . هذا ، وقد تكلم العلماء هنا عن أمرين يتعلقان بهذه الآيات . أما الأمر الأول فهو : هل أمد اللَّه - تعالى - المؤمنين في غزوة بدر بهذا العدد الذي ذكر في هذه الآية ؟ . والجواب على ذلك أن بعض المفسرين يرى أن اللَّه - تعالى - قد أمد المؤمنين في بدر بخمسة آلاف من الملائكة ، لأنهم صبروا واتقوا وأتاهم المشركون من مكة فورا حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير ، فكان المدد خمسة آلاف على سبيل التدريج ، أي أمدوا أولا بألف ، ثم صاروا ألفين ، ثم صاروا ثلاثة آلاف . ثم صاروا خمسة آلاف لا غير ، وإلى هذا الرأي ذهب الحسن وقتادة . وقال الشعبي : إن المدد لم يزد على الألف ، لأن المسلمين كان قد بلغهم أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين بسلاح وجند ، فشق ذلك على المسلمين فأنزل اللَّه - تعالى - : * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ ) * إلى قوله * ( مُسَوِّمِينَ ) * فبلغ كرزا الهزيمة فرجع ولم يمدهم ، فلم يمد اللَّه المسلمين بالخمسة الآلاف أيضا . أما ابن جرير فقد اختار أن المسلمين وعدوا بالمدد بعد الألف ، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بما زاد على ذلك ، ولا على أنهم لم يمدوا به ، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص . فقد قال - رحمه اللَّه - : « وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن اللَّه أخبر عن نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال للمؤمنين : * ( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ ) * فوعدهم اللَّه بثلاثة آلاف من الملائكة مددا له ثم وعدهم بعد الثلاثة الآلاف خمسة آلاف ، إن صبروا لأعدائهم واتقوا اللَّه ، ولا دلالة في الآية على أنهم أمدوا بالثلاثة الآلاف ، ولا بالخمسة الآلاف ولا على أنهم لم يمدوا بهم . وقد يجوز أن يكون اللَّه - تعالى - أمدهم على نحو ما رواه الذين أثبتوا أنه أمدهم ، وقد يجوز أن يكون لم يمدهم ، على نحو الذي ذكره من أنكر ذلك وغير جائز أن يقال في ذلك قول إلا بخبر تقوم الحجة به ، ولا خبر به كذلك فنسلم لأحد الفريقين قوله . غير أن في القرآن دلالة على أنهم أمدوا يوم بدر بألف . وذلك قوله - تعالى - : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ . أما في أحد فالدلالة على أنهم لم يمدوا أبين منها في أنهم أمدوا ،

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 411 .